مصطفى الشامي

مصطفى الشامي

عن ليلة واحدة مع اللواء القميري

2016-12-28 الساعة 22:46

طلب مني بعد الإتصال أن أوافيه في مكان حدده هو ،

لم يكن سبق لي إن التقيت به سوى مرة واحدة لم يتسن لي أن أعرفه بالشكل الذي أريد ،

التقيت رجلا يمتلئ قوة وصمتا ، ويكتمل شجاعة وعزيمة ،

تبادلنا حديثا مقتضبا واتجهنا إلى صرواح ، الجبهة الأكثر سخونة والأشد تعقيدا في خارطة الجبهات ،

ونحن نتوغل في وعورة تلك الطريق وندخل في تشعباتها الضخمة لم يكن في خيالي سوى عظمة من يعبدون تلك الصخور ويخضعونها لإرادتهم ،

 

كنت أسأل نفسي عن هذا الذي يكلف نفسه هذا الكم الهائل من التعب والمشقة وهو قادر على أن يمارس مهامه من مسافة بعيدة أو من أي مكان يراه مناسبا لمكانته ومنصبه أو على الأقل يحضر في الوقت الذي تكون فيه الأمور قد طبعت أمنيا ولم يعد ما يشكل خطرا عليه ،

 

لن أسترسل في التفاصيل التي أجدها مهمة وسأقتصر على المهم منها ،

وصلنا إلى جبال لا أعرفها وحين كنت أسمع أصوات كبيؤة تدوي حولنا أدركت كم نحن على مقربة من خط النار ،

لا أنكر أن الخوف داهمني من كل الإتجاهات ، وبحكم أنها تجربتي الأولى في مغامرة كهذه ،

وصلنا بعد المغرب وأخذنا نستعد للصلاة ،

من فينك يا ابني ؟

أنا من اللواء ......

أي كتيبة ؟

كتيبة ...

ألتفت على حوار بسيط هادئ بين اللواء القميري وأحد الجنود ،

جندي يغتسل ويصب الماء البارد على ظهره ونحن في أجواء قاسية باردة ، لكن يبدو أن جلادة الجندي قد نالت قلب اللواء عادل وهو يأخذ معه أطراف الحديث ،

صلينا ثم استكمل القميري اجتماعاته مع القادة الذين حضروا إلى المكان ذاته ،

حينها كنت لوحدي أعمل خيالي في كل شيء حولي ،

البرد ، تضحيات الشباب ، أصواتهم التي تعبر عن قوة العزم والتضحية ،

( خندقي قبري وقبري خندقي )

ألتفت فور سماعي لهذه الأنشودة من مجموعة شباب يرددونها وهم على ظهر إحدى الأطقم التي تصعد قمة الجبل في الظلام ،

شدتني هذه الأنشودة وأخذتني إلى أيام بعيدة ، واصلت الخلود إلى نفسي ولم أستطع أن أصدق ما أنا فيه ،

العشاء .. العشاء

أحد الجنود يدعونا للعشاء ، جلست إلى جوار القميري وتناولنا القليل من الجبن مع ( الكدم )

أحدهم :

ليش ما جبتم عشا سوى للفندم؟

الفندم متواضع وبا يتعشا أي حاجة ،

أكملنا العشاء وغادرنا المكان إلى مكان آخر ،

المكان متواضع جدا ،

يفترش اللواء القميري مكانه ويباشر بعض من أعماله على الهاتف ،

لا يضجر ، لا يمل ، لا يفتر ، ويتعامل مع كل اتصال يرد إليه كأنه الإتصال الأول ،

دخلنا في منتصف الساعة 11 ونصف مساء ،

قررت أن أنام ،

اللواء القميري يفتح سورة البقرة على جواله ويبدأ بالإستماع وهو مستلق على فراشه ،

ساعة تمر ولم أستطع النوم ربما لتوتر الأجواء في ذلك المكان ،

إنفجار هائل يهز المكان قلت على إثره ( الليلة ليلتنا )

العجيب في ذلك أن من بجواري لا يحرك ساكنا وكأن شيئا لم يكن ،

سورة البقرة لا تنتهي والقارئ يسترسل فيها ،

نام اللواء القميري وكأنه في حضن أمه ، وبقيت أنا وسورة البقرة وأصوات الإنفجارات نكمل ذلك الليل الطويل ،

صلينا الفجر وبدأنا يوم جديد ،

تلك الليلة أفرغتني إلى حقائق كثيرة كنت أجهلها وعلمت أن الحرب ليست كما نكتبها أو نحكيها ،

الحرب لها رجال كالقميري وعلى مثلهم تتكئ ،

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص