الدكتور أنور مالك

الدكتور أنور مالك

حافظوا على كيانات الدول الإسلامية

2017-06-03 الساعة 15:27

نَفث السّموم القومية والايديولوجية والجغرافية لإشعال الفتن والصراعات والخلافات داخل الدول الاسلامية أو لاستهداف العلاقات بينها في هذا الراهن الصعب، لا يخدم إلا من يريدون تدمير وتقسيم هذه الأوطان مرة أخرى في اطار "سايس بيكو" من نوع جديد، حيث يُفتّت المفتّت ويُقسّم المقسّم إلى دويلات، وتخدم المشاريع المعادية للمسلمين بعربهم وأتراكهم وأكرادهم وأمازيغهم وغيرهم.

 

العالم يتّجه بسرعة فائقة نحو قوة الوحدة عبر تكتلات وكيانات من أجل مواجهة التحديات القائمة، حيث يتمّ تجسيد هذه القوة في رفع الحدود والعملة الموحدة وتحالفات عسكرية واقتصادية وأمنية واحدة، في المقابل نجد قوى تعمل على تقزيم العالم الإسلامي إلى ترهلات وكنتونات متصارعة عرقياً ودينياً وطائفياً ومذهبياً وثقافياً، حتى لا ينعدم وجود أي توازن قوى يخدم مصالح المسلمين الذين صاروا يضطهدون في أوطانهم وديانتهم ووجودهم.

 

بلا أدنى شك أن هذه المشاريع التفتيتية، وجدت أدوات جاهزة تساعد على التخريب الداخلي لمفاصل الهوية الوطنية والجغرافية والديموغرافية، وبعد فشل محاولات الغزو الشيوعي وجدوا مشروع الغزو الشيعي من خلال أطماع ملالي إيران في الهيمنة على العالم الإسلامي.

 

لم يقتصر الأمر عند نظام "الولي الفقيه" على وباء العنصرية للعرق الفارسي وأوبئة الطائفية لتشيّع يهيمن على المخيال الايديولوجي والسياسي لنظام الحكم في طهران، بل يوجد من يحرّك نزعات أخرى موازية، حيث يجري التجييش العرقي للأمازيغ في دول شمال أفريقيا وبدأت حتى النزعات الانفصالية تتمدّد وتتعدّد، وأيضا مازال التجييش العرقي الكردي مستمرا وصار أكثر دعماً.

 

 أيضاً نذكر محاولات التجييش للعرق التركي التي يعمل نظام الرئيس أردوغان على اجهاضها على كل المستويات والأصعدة.

 

من جهة أخرى توجد نزعات للعرق العربي دعمها البعثيون والقوميون والناصريون وغيرهم، ساعدت في تصاعد نزعات عرقية أخرى مضادة، وصلت لدرجة النزعات الانفصالية تحت مسمى تقرير المصير التي صارت تتحرك وبقوة في الدول الإسلامية، فنجد نزعة بربرية في شمال أفريقيا تتحرش بالوحدة الترابية لعدة دول مغاربية، وأخرى كردية في المشرق تستهدف الوحدة الترابية لكل من العراق وسورية وتركيا وغيرهم.

 

النزعات العرقية تتصاعد حدّتها في العالم الإسلامي في ظل نزاعات خطيرة، وبالتوازي مع نزعات طائفية أحدثتها منظومة "ولاية الفقيه" الإيرانية التي هي نظرية سياسية تستعمل الدين لإضفاء قدسية على مآربها القومية التوسعية.

 

أيضا توجد نزعات جغرافية أخرى تتغلغل في كيانات الدول القائمة، فضلا عن الممارسات السياسية المستبدة التي تقوم بها بعض الأنظمة والحكومات العربية، مع تصاعد الرغبة الدينية المتطرفة التي صنعت الإرهاب وغذّته حتى صار التحدّي الكبير الذي يواجه دول العالم وفي الوقت نفسه البضاعة العابرة لجيوب مافيا السلاح وغيره.

 

كل هذه المعطيات المدعومة من أطراف خفية وأخرى صارت معلنة بل تتباهى بما تقوم به رغم أن القوانين الدولية تحمي سيادة الدول ووحدتها الجغرافية وأمن الشعوب، وتصبّ في إطار أجندة تحطيم وحدة العالم الإسلامي على المستويات الوطنية الداخلية وفي العلاقات الخارجية بين الدول والحكومات.

 

وجد تجّار الدماء فرصتهم في نفث سمومهم عبر وسائل إعلام ثقيلة تمتلك ميزانيات ضخمة ومدعومة من قبل أثرياء لديهم مصالحهم التجارية وأعمالهم في الشرق والغرب، ووصل الأمر لمنتهى الفاشية الدينية والعرقية والجغرافية بين دول من المفروض كيانها واحد.

 

تستهدف تركيا من كل حدب وصوب، بعدما نجح الرئيس أردوغان في اعادتها تدريجياً إلى حضنها الإسلامي الدافئ، وأيضا لما تشكله الدولة التركية من ثقل تاريخي واستراتيجي واقتصادي في العالم الإسلامي، وهاهي النزعة الكردية المدعومة من قوى كبرى تحت مبررات محاربة الإرهاب وغيره، صارت تتصاعد قوّتها وبما قد يخدم حزب العمال الكردستاني المدرج تركياً في قوائم الإرهاب لأنه يشكل تهديداً لأمنها القومي.

 

دول مجلس التعاون الخليجي مازالت مستهدفة وخاصة بعد ظهور بوادر الوفاق والاتفاق فيما بينها على مواجه مشاريع معادية وعلى رأسها طبعا ملالي إيران الذين يعملون بكل السبل لتحريك الشيعة الخليجيين ضد حكوماتهم ودولهم، كما يجري أيضاً العمل على إفساد العلاقات بين الدول الخليجية نفسها وفي علاقاتها مع الشرق والغرب، حتى يتمّ اجهاض أي اتفاق على مشروع مضاد للخمينية المتوحشة.

 

إن أخطر من لعب الدور القذر في المنطقة هي ايران التي من أهدافها تخريب دول العالم الإسلامي حتى تبقى قوة مهيمنة على المسلمين إلى جانب قوة أكبر لحليفها غير المعلن "إسرائيل"، لذلك نجدها بدل أن تساهم في حلّ سياسي بداية الثورة في مارس/آذار 2011 وبما يحافظ على كيان الدولة، راحت تدعم نظام الأسد عسكرياً حتى زجّ بسورية في حرب مدمرة للبلاد والعباد، وكان بإمكانها في البداية أن تأمر بشار الأسد بالتنحّي وإتاحة الفرصة لرئيس جديد قد يكون من دائرة النظام نفسها، وسيفرح السوريون بانتصار ثورتهم كما فعل غيرهم، حيث شاهدنا في مصر رحيل مبارك وانتهى مسار الثورة بعودة منظومة أخرى من النظام المخلوع يعدّها المصريون من أسوأ منظومات الحكم التي مرّت على أرض الكنانة.

 

اشتعلت في تونس ثورة شعبية أدّت إلى رحيل الرئيس بن علي، ووصل للحكم حزب كان محظورا والبوليس يطارد رجاله عبر الأنتربول الدولي، بل أن رؤساء الحكومات بينهم من كان محكوماً عليهم بالإعدام وتقلدوا أعلى المناصب الحكومية كرئيس للحكومة ووزير للداخلية. غير أن مسار الثورة لم يصمد طويلا وتداعت الأحداث التي أدت إلى عودة الدولة العميقة وصار يحكم تونس عناصر بن علي مجدّدا ولكن هذه المرة عبر صناديق اقتراع.

 

أما في ليبيا فلا تزال تغرق في الحرب الأهلية المُدمّرة، ونجد في اليمن التحالف بين نظام الرئيس المخلوع وعصابة الحوثيين الإرهابية، وقد أدى هذا التحالف المدعوم إيرانياً إلى سقوط صنعاء ولولا التدخل العربي بقيادة المملكة العربية السعودية عبر عاصفة الحزم لصارت اليمن مجرد محافظة ايرانية لن يسترجعها العرب إلا بعد عشرات السنين.

 

إن تفجير أوضاع الوطن عبر الإرهاب والاستبداد والصراعات والحروب الأهلية كلها تصبّ في إطار تمزيق وحدة الدول الإسلامية واضعافها حتى تظل مسرحاً للمصالح الخارجية تعبث فيها كيفما تشاء، وتتحكّم في ثرواتها وتراثها كما تشتهي.

 

رغم أن كل القوانين الدولية تحظر دعم أي حراك يهدد السلم العالمي، ويوجب أيضا التدخل لحماية حقوق البشر من الاضطهاد والابادة والانتهاكات، إلا أن ذلك لم يحدث لسبب بسيط أن الحروب تنعش أسواق الأسلحة وتضعف كيانات الدول وتحرّك أسواق التجارة العالمية، وطبعا هذا الوضع لا يخدم إلا الكيان الصهيوني في المنطقة.

 

على الحكومات العربية والإسلامية العمل بحرص للحفاظ على أمن الدول القومي ووحدتها الجغرافية وتماسكها الديموغرافي، وهذا ليس بالاستبداد والعنف والإرهاب والخيارات الأمنية، بل بمعالجة مشاكل الأوطان بعدالة وحرية وروح المسؤولية، وإلا أن مشروع الخراب المتمدد سيطال الجميع ولن يستثني أيّ أحد مهما كان حجم استقراره الداخلي وقوة علاقاته مع جهات خارجية.

 

أعتقد أن صناعة كيان وحدوي إسلامي تحت رعاية قوى عربية وإسلامية مثل السعودية وتركيا وباكستان والجزائر ومصر وغيرهم، سيكون بداية مثمرة وحقيقية لتجاوز ما يحاك للمنطقة في دهاليز طهران وتل أبيب من مخططات تخريب تبدأ من الداخل عبر نزعات استبداد وتطرف وغلو سواء للحكم أو الدين أو العرق أو الوطن.

 

 

اخبار تركيا

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص