الدكتور أنور مالك

الدكتور أنور مالك

الخليج العربي أمام تحديات معقّدة

2017-06-10 الساعة 22:55

نظرية لهنري كيسنجر مفادها أن من يسيطر على قارة الوسط (الممتدة من طنجة إلى جاكرتا) يسيطر على العالم، ومن يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على قارة الوسط، ومن يسيطر على الخليج العربي يسيطر على الشرق الأوسط.

 

وانطلاقاً منها تتحرّك قوى لديها مشاريعها وتعمل وفقها لتحقيق هدفها الاستراتيجي في السيطرة على العالم الإسلامي وتقاسم النفوذ مع "إسرائيل" ودول غربية لها مصالحها أيضاً.

 

ممّا لا يختلف فيه أبداً أن خمينية إيران تمدّدت لحدّ ما، وزرعت بعض شبكاتها باستغلال علاقاتها العميقة مع بعض الأنظمة العربية، وأيضاً بمحاولات السيطرة الدينية والدنيوية على الشيعة العرب في كل المنطقة.

 

منذ نجاح الثورة الايرانية وسيطرة الخميني عام 1979 على الحكم، وطهران تعمل استخباراتياً ودينياً وسياسياً ودبلوماسياً وأمنياً على تصدير ثورتها ذات الايديولوجية الشيعية والحلم الإمبراطوري الفارسي، وقد استغلّت في تمدّدها التشيّع مما أتاح لها فرصة كبيرة لاختراق العالم العربي، خاصة مع الهالة التي اكتسبتها ثورة الخميني التي سمّاها بـ "الإسلامية" لمخادعة الشعوب ودغدغة عواطفهم في ظل انكسارات ونكسات تلك المرحلة.

 

 أثّرت الخمينية بالفعل في الكثير من عوام المسلمين الذين انبهروا بها لحدّ بعيد، فتشيّع لها عدد لا يستهان به في دول المغرب والخليج وجاليات إسلامية في أوروبا، وتمدّدت حتى بلغت إلى دول أفريقية لا يشكّل فيها الإسلام الأغلبية، فضلاً عن تلك التي أغلبيتها الساحقة تدين بالإسلام.

 

إيران لما تتمكّن من صناعة قاعدة شيعية تدين لها عبر نظرية "ولاية الفقيه" تتوجّه نحو صناعة مليشيات مسلحة للتحكم في مصير هذه الأقطار العربية بقوّة السلاح، وكان لها ذراعها العسكري في لبنان عبر حركة أمل الشيعية التي خرج من رحمها "حزب الله"، الذي يضع مبدأ ولاية الفقيه فوق كل اعتبارات حتى الوطنية منها، وإن لم تتمكّن من صناعة طائفة شيعية لها مثل ما يحدث في فلسطين تشتري ذمم أحزاب وحركات كما يحدث مع حركة الجهاد الإسلامي.

 

الخمينية عن طريق شعارات مقاوماتية ومصالح متبادلة ومشتركة،  تعمل على اختراق تنظيمات فلسطينية أخرى ومنها "حماس" وذلك باستغلال حاجتها لاستغلالها في مشروعها، ووصلت حتى إلى أفغانستان من خلال كتائب مسلّحة شيعية عملت تحت وصايتها واستغلتها في إسقاط حكومة طالبان عام 2001، وهو ما أقرّ به مسؤولون إيرانيون، منهم محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية، الذي صرّح من الإمارات العربية المتحدة في يناير /كانون الثاني 2004 الذي قال:

 

"لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة".

 

أيضاً، حاولت أن تخترق البوسنة؛ حين عرضت الدعم المادي والعسكري والغذائي للمجاهدين مقابل السماح للإيرانيين بنشر التشيّع، غير أن الرئيس علي عزت بيغوفيتش رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وقال للمبعوث الإيراني: "لن نبيع الآخرة من أجل الدنيا، ولن نبيع إسلامنا من أجل حفنة من المساعدات".

 

كما عملت على أن تصنع لها ذراعا عسكرياً خلال الحرب الأهلية الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي، عبر "الجماعة الإسلامية المسلحة"، ونجحت في إيصال أحد المتشيّعين الجزائريين، يدعى محفوظ طاجين، إلى المنصب الأول في إمارة التنظيم الأكثر دموية حينها.

 

في اليمن الذي يعدّ الامتداد الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي ، تمكّنت من احتواء الحوثيين وتحوّلوا إلى ذراعها الذي تبطش به ضد اليمنيين وبفضلهم نجحت في تحويل اليمن السعيد إلى أحد أشقى دول العالم الإسلامي.

 

أما في سورية فقد صار نظام الأسد  ذراعها الذي يبطش بالشعب السوري من أجل الحفاظ على مصالح إيران الاستراتيجية التي تمتدّ من طهران مروراً بالعراق ووصولاً إلى الضاحية الجنوبية في لبنان.

 

في عام 1971 ولأسباب استراتيجية احتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث وهي طنب الصغرى وطنب الكبرى ثم أبوموسى، والتي تقع في مدخل الخليج العربي، وبها تصل السيطرة الإيرانية إلى مضيق هرمز الذي يعدّ أهم الممرّات البحرية في العالم وأكثرها حركة للسفن، ويقع في منطقة الخليج العربي فاصلاً ما بين مياه الخليج العربي من جهة ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة ثانية، كما أنه المنفذ البحري للعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات.

 

تمكّنت إيران من السيطرة على العراق بعد غزو أمريكا له في 2003، وتحوّلت بغداد إلى مجرد مقاطعة إيرانية يُستقبل في طهران رؤساء حكوماتها المتعاقبة من الشيعة الموالين لخامنئي كأنهم ولاة محافظة وليسوا من دولة عراقية مستقلة وذات سيادة.

 

لم تقتصر الأطماع الإيرانية على ما ذكرنا، بل قامت بتحريك شيعة البحرين، مستغلّة ثورات ما يسمّى بـ "الربيع العربي" التي بدأت في تونس بإسقاط نظام بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011.

 

إيران ساندت بعض الثورات، وتصدّت وتآمرت على أخرى؛ حسب مزاجها المصلحي والاستراتيجي القائم في المنطقة العربية. فقد دعّمت ثورة الليبيين بسبب ملف رجل الدين الشيعي موسى الصدر، وأيضاً شطحات العقيد الليبي فيما يخص إحياء الدولة الفاطمية في أفريقيا لاحتواء الشيعة العرب الذين يعتبرون الخط الأحمر بالأجندة الفارسية، إذ لا تسمح بولائهم لغير إيران.

 

كما باركت ثورة مصر ضد حسني مبارك الذي كانت علاقاته مقطوعة معها لسنوات طويلة، ومواقفه معادية للخمينية على مدار سنوات حكمه.

 

وهو الأمر نفسه بالنسبة لتونس التي لم تكن ذات أهمية استراتيجية كبيرة لدى إيران، وإن كان نشاط تشييع التونسيين قد تزايد أكثر مما كان عليه الأمر في عهد بن علي بسبب هامش الحرية المُتاح.

 

كما اعتبرت إيران تمرّد شيعة البحرين هي ثورة شعبية وسلمية ضد الاستبداد، ودعّمتها إعلامياً وحقوقياً وسياسياً واقتصادياً. لكنها في الوقت نفسه وقفت ضد ثورة السوريين، ودعمت نظام الطاغية بشار الأسد بكل الوسائل، وصار من يقاتل في سورية ليس الجيش السوري، بل مليشيات ومرتزقة شيعة جاءت بهم إيران من كل حدب وصوب.

 

في اليمن نجدها دعّمت تمرّد الحوثيين ومولتهم بالسلاح عبر جزر إرتيرية، إذ إن إيران قامت باستئجار ثلاث جزر في البحر الأحمر، ومنها جزيرة "دهلك" التابعة لإريتريا، وهذا من أجل تزويد الحوثيين بالسلاح والدبابات عبر ميناء "ميدي" على البحر الأحمر والمتاخم للمياه الإقليمية السعودية، والذي سيطر عليه الحوثيون قبل سقوط العاصمة اليمنية.

 

ما قام به الحوثيون اعتبرته إيران مجرد استرداد للثورة الشعبية ضد الاستبداد، والتناقض العجيب أن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح الذي سقط في هذه الثورة هو حليف الحوثيين بإسقاط النظام الشرعي !

 

لقد حاولت إيران أن تستغلّ الحراك الشعبي ضد الاستبداد في الوطن العربي بما يخدم تصدير ثورتها الخمينية من أجل بناء إمبراطوريتها الفارسية المفقودة، فأوعزت لشيعتها في دول عربية بالتحرّك في إطار شعارات "الربيع العربي"، حيث حرّكت شيعة البحرين ولا يزالون يستمرّون في تمرّدهم ضد دولتهم ما دام الدعم الإيراني يُغدق عليهم.

 

ثم لديها محاولات فاشلة أن تستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، بصفتها منتهى حلم الخميني الذي تركه في وصاياه المعلنة والمسرّبة، وأخرى لا تزال سرّية بسراديب خامنئي وأركان حكمه.

 

السعودية هي كابوس الخمينية؛ بسبب المقدسات الإسلامية وأيضاً بصفتها دولة كبرى وقوية ونافذة لها تأثيرها في العالم العربي والإسلامي، ولعبت أدواراً مهمة في كثير من قضايا المسلمين، حيث يعتبر الإيرانيون أن أخطر ما يواجه مشروعهم هو الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية من خلال حكامها وعلمائها ودعاتها ومفكريها، ولذلك تجدهم يركّزون على ما يسمونها بـ"الوهابية" على أساس أنها عدوهم الأول والأخير، وطبعاً يريدون من ذلك تحويل الصراع القائم من قومي وديني واستراتيجي إلى مجرد مذهبي يقتصر على رجال الدين بين مذهبين من مذاهب الإسلام.

 

المعيار الإيراني في التعامل مع قضايا الشيعة العرب خارج ديارها، ليس الديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا حماية الأقليات كما تزعم، بل يتعلق بمدى الولاء لها؛ فمن يوالي "الولي الفقيه" له كل الحقوق ومن يناهض مشروعها سواء كان شيعياً، مثل عددٍ من الأحوازيين والمقاومة الإيرانية، أو سنّياً، مثلما يجري في العراق وسورية، فلا حقوق لهم أبداً حتى لو كان يتعلق بالحياة ككل البشر.

 

إن ما سمّي بـ "الربيع العربي" عملت إيران ولا تزال تريد أن تحوّله إلى "الربيع الفارسي" في المنطقة العربية، وهذا ما جعل بعض ثورات الشعوب تنحرف من معركة ضد الاستبداد إلى حروب طائفية وأهلية؛ بسبب الوقود الإيراني الطائفي والمذهبي والتكفيري.

 

لن يقتصر التخطيط الإيراني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي برمّته على الشيعة العرب فقط، بل توجد تنظيمات متشدّدة جرى استغلالها بطرق مختلفة من قبل المخابرات الإيرانية لأجل تحويلها إلى خنجر في عنق الدول الخليجية خصوصاً، وهو ما جرى مع "القاعدة" ثم تنظيم "داعش"؛ حيث أن هذا التنظيم الذي كان يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق" قدمت له تسهيلات من طرف نوري المالكي الذي يعدّ الرجل الأبرز التابع لخامنئي في بلاد الرافدين.

 

كشف الدبلوماسي الإيراني المعارض فرزاد فرهنيكان في فبراير/شباط 2013، من أن خامنئي وافق في اجتماع سري مع القادة الإيرانيين على قيام قادة "القاعدة" والمقيمين بإيران، وبإشراف المخابرات الإيرانية، بتحريك المنتمين للتنظيم والمتعاطفين معه في السعودية للضغط على حكومتها لإطلاق سراح قادة وعناصر التنظيم من السجون؛ لتمكينهم من القيام بأعمال إرهابية ضد منشآت نفطية وقيادات بالتزامن مع هجوم الحوثيين على القوات السعودية.

 

على ذكر النفط، فقد كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2012، أن الحرس الثوري الإيراني وضع مشروعاً لإسالة كمية كبيرة من النفط في مياه الخليج لإحداث بقعة سوداء توقف الملاحة، وترغم الغرب على المشاركة في عملية تنظيف ضخمة. ونقلت المجلة عن مصادر غربية استخباراتية، أن الحرس الثوري يرى في هذا المشروع الذي أطلق عليه "مياه قذرة"، وسيلة لإرغام الغرب على تعليق العقوبات المفروضة على إيران.

 

الخليج العربي صار مستهدفاً في جغرافيته وديمغرافيته ويواجه عدة أفاعي ذات رؤوس متعدّدة، ولا يمكن تجاوز هذه المرحلة الصعبة إلا بمشروع استراتيجي حقيقي ومتكامل ووحدوي وخالٍ من كل الشوائب التي تعكّر أولا وقبل كل شيء علاقات الدول الخليجية فيما بينها.

 

نقلا عن : اخبار تركيا

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص