الدكتور أنور مالك

الدكتور أنور مالك

ماذا ينتظر العالم الإسلامي؟

2017-10-09 الساعة 20:07

يمرّ العالم الاسلامي بظروف معقدة جدا وتحتاج لمراجعات عميقة بسبب كل ما يحدث من حروب داخلية وصراعات خارجية وتقسيمات تتبلور في عدة دول، ومن خلال ذلك نرى أن آغلب المهتمين بالشأن الاسلامي صار يرعبهم كثيرا السيناريوهات القادمة، وقد انقسمت الرؤى حول هذه السيناريوها على ثلاثة أقسام:

 

أولا: 

المتفائلون وهم من الذين بطبعهم التفاؤل حتى في أحلك الظروف سواء بسبب ما يمتلكون من معطيات أو مؤشرات آو أن قيم الاسلام ونصوصه الشرعية هي التي حفزتهم على التفاؤل، وهؤلاء في آغلبيتهم الساحقة نجد قدوتهم الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان من صفاته التفاؤل، وكان يحب الفأل ويكره التشاؤم والطيرة، وقد ورد في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة ).

وقد جسّد النبي المصطفى هذا الخلق في الكثير من المواقف، وقد كانت كل أحواله مليئة بالتفاؤل والرجاء وحسن الظن بالله تعالى،  ونذكر على سبيل المثال من تلك المواقف ما حصل له ولصاحبه أبي بكر رضي الله عنه وهما في طريق الهجرة نحو المدينة المنورة، وقد طاردهما سراقة، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً صاحبه وهو في حال ملؤها التفاؤل والثقة بالله : ( لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتطمت فرسه - أي غاصت قوائمها في الأرض - إلى بطنها .

 

ومنها تفاؤله أيضا وهو في الغار مع صاحبه، وكفار قريش على باب الغار وقد أعمى الله أبصارهم، فعن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما).

لم يتوقف الأمر عند سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام التي هي أرقى النماذج، بل هناك أيضا قصص كثيرة عبر التاريخ الاسلامي عاش فيها المسلمون العديد من المحن كادت أن تعصف بوجودهم من حملات صليبية وصراعات بين دول اسلامية إلى سقوط دول وميلاد أخرى، غير أنه رغم ما وصل له حالهم مع التتار أو غيرهم إلا أن العالم الإسلامي تعافى وتحرّر وعاد مجددا إلى قوته كأنه لم يحدث له شيء على عكس أمم أخرى إنقرض وجودها مع أول أزمة أحاطت بهم.

لم يقتصر الأمر على العامل الديني، بل توجد حكومات أيضا تريد أن يظل التفاؤل هو سيد الموقف، فالتشاؤم والخوف من المجهول سيساهم في زعزعة أمن واستقرار حكمهم وأوطانهم، لذلك جندت الكثيرين من وسائل الاعلام والمؤسسات الدينية والفكرية من أجل نزع هاجس الخوف الذي قد يسيطر على العقول ويدفع الشارع للتحرك والخروج عن السيطرة.

التفاول عند هذه الشريحة له مبرراته الكثيرة وله ما يؤكده من شواهد الدين والتاريخ والمواقف السياسية للحكومات والمشاريع المطروحة على مستوى الدول.

 

ثانيا:

 المتشائمون هم كثيرون أيضا، ويرون أن التشاؤم دليل وعيهم بما يجري في دهاليز العالم وأقبية الأنظمة والأجهزة، لذلك يقولون ويرددون أن ما سيعيشه المسلمون مستقبلا هو أسوأ مما يمكن تخيله بل لا مثيل له عبر التاريخ.

 بدورهم توزع المتشائمون على درجات مختلفة، فيوجد من يرى أن الخراب قادم لا محالة ولم يعد من فرصة لتجاوزه والنجاة منه، ويحملون المسؤولية للحكام والمحكومين على حد سواء. 

أيضا درجة أخرى ترى أن الخراب قادم لا محالة ولكن يمكن تفاديه كاملا إن تم استدراك الكثير من السياسات والسلوكيات، وتصحّح الأخطاء التي أدت تداعياتها إلى هذا المصير.

 تختلف وجهات النظر حسب المرجعية الايديولوجية، فالمتدين يرى أن التدين والالتزام هو الحل الوحيد الذي سيرد البلاء القادم ويرفعه لأن ما يحدث هي عقوبة إلهية سبب المعاصي والبعد عن الله تعالى. 

أما المعارض للأنظمة الحاكمة يرى أن تغيير الحكام واسقاط أنظمتهم هو المنقذ الوحيد لتفادي الخراب القادم للعالم الإسلامي. الموالي للحكومات يؤمن أن المعارضين بمختلف ولاءاتهم هم السبب وعودتهم لبيت الطاعة أو القضاء عليهم بالسجون والمعتقلات هو الخيار الذي يحمي الأوطان مستقبلا. بالنسبة لأصحاب نظرية المؤامرة فلهم بدورهم باعهم الكبير والواسع في توزيع المسؤوليات بين هذا وذاك.

ويوجد أيضا من يرى أنه يمكن تفادي نسبة كبيرة من الخراب في حال تحقيق اصلاحات تختلف ماهيتها بين هذا وذاك حسب الخلفية الفكرية والثقافية والسياسية بينهم.

 

ثالثا:

 الواقعيون وهم من يرون أن التغيير في كيان العالم الإسلامي مقبل لا محالة لأنه سنة حياتية تقتضيها تطورات حياة البشر ومقتضياتها، وقد يكون هذا التغيير سلبياً أو ايجابياً حسب كيفية التعامل معها والاستعداد لها من قبل الحكومات والشعوب، ويدعون إلى ضرورة تنفيذ نهضة اصلاحية شاملة على مستويات عديدة، تربوية وسياسية وفكرية، وبحسب النجاح فيها ستكون النتائج.

 

القاسم المشترك بين الخيارات الثلاث أن العالم الاسلامي يواجه تحديات كبرى، وأن هذه التحديات يجب مواجهتها والتصدي لها بلا تهويل من جهات ولا تهوين من جهات أخرى، وعدم القيام بذلك ستكون تداعياته وخيمة وخطيرة على البلاد والعباد، فالعالم الاسلامي يعاني من أوبئة كثيرة وهي تتزايد وتنتشر وتتوسّع، حيث نرى الاستبداد في دول والارهاب في أخرى والحروب هنا والنزاعات هناك بلغت حد الإبادة الجماعية.

بلا أدنى شك أن العالم الاسلامي صار على موعد تحولات كبرى، وصار المسلمون يقتربون من موعد حدوث تحول كبير ظهر تدريجياً من خلال الثورات العربية التي اشتعلت في عدة دول، وقبلها كانت هناك غارة على العرب والمسلمين من خلال قوى كبرى، فالاحتلال طال عدة دول فنجد الأحواز العربية التي تحتلها ايران منذ عام 1925 وبعدها فلسطين المحتلة من الحركة الصهيونية منذ 1948، ونصل للعراق الذي احتلته الولايات المتحدة في 2003 ثم سلمته للمحتل الايراني، ونجد أيضا أفغانستان المحتلة أمريكيا منذ 2002، أيضا سورية التي تحتلها ايران بدعم روسي والذي صار معلنا منذ اندلاع الثورة الشعبية في مارسآذار 2011.

اليمن بدوره كان يعاني من الاستبداد وبعد الثورة الشعبية صارت معاناته كبيرة من ميليشيات ايرانية ارهابية سيطرت على الدولة وأسقطت شرعية الحكم وتحولت البلاد إلى مستنقع من الحرب تداعياتها وخيمة على شعب يمني يقتل في مجازر فظيعة ويعاني من المجاعة والتهجير والكوليرا وأوبئة أخرى متعددة وفتاكة.

لم يقتصر الأمر على الاحتلال بل تعدى لحروب نجسة بين طوائف وعرقيات وملل ونحل البلاد العربية، وقد خلفت هذه المستنقعات صراعات دامية جسدت التقسيم الجغرافي بعد الدمار الديمغرافي. فسوريا عملياً مقسّمة لكيانات وكنتونات على أسس طائفية وعرقية، والعراق بدوره كان مقسم عملياً بين إثنيات متعددة، وجاء استفتاء كردستان ليفرض واقع التقسيم رسمياً وطبعا الذي لن يتوقف عند العراق فقط، بل ستمتد حدود كردستان لتشمل سوريا وتركيا وربما تتوسع أكثر.

بغض النظر عن مشروعية الدولة الكردية آو عدم مشروعيتها التي سوف نتحدث عنها مستقبلا، إلا أن استفتاء كردستان أدى إلى ميلاد رسمي لمشروع كردي ليضاف لسلسة المشاريع الأخرى في العالم الإسلامي، حيث نجد المشروع الصهيوني والمشروع الغربي والمشروع الايراني والمشروع التركي وأما المشروع العربي فهو في تخبط ليس له نظير ومازالت لم تتشكل ملامحه رغم محاولات المملكة العربية السعودية التي ظهرت بوضوع في عاصفة الحزم باليمن، إلا أنها مازالت الطريق أمامها معقّدة بسبب التواطؤ والخذلان العربي المستمر.

طبعا هذه المشاريع بينها المعادية للمسلمين وأخرى جاءت في إطار النظرة القطرية أو العرقية التي تهيمن على العقل الاسلامي في هذا العصر، لكنها لا تحمل العداء للعرب والمسلمين وإن كانت بعض الأطراف من مشاريع أخرى موازية تحاول زرع الفتنة نحوها كما يحصل مع المشروع التركي خاصة.

« اسرائيل » تعتبر أكبر دولة تشجع التقسيم الإثني والعرقي والطائفي لخرائط المسلمين، فوجود دولة يهودية في قلب العالم الإسلامي الذي ينقسم لأقطار على أسس جغرافية وليست ايديولجية أو عرقية، لن يكون في صالح الكيان الصهيوني، لذلك عملت على تشجيع الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة عبر دعم نظام الملالي في ايران، الذي يتحمل المسؤولية الجسيمة في الحرب الطائفية. لم يكتف الأمر على التقسيم الطائفي للمسلمين بل ذهب للتقسيم العرقي فهذا تركي وذاك كردي وآخر عربي ويوجد آمازيغي وهكذا، بالرغم من أن آغلبية الأكراد والأتراك والأمازيغ هم من السنّة إلا أنه لا يتم شملهم حتى يتجاوز الأمر الثنائية بل تتعدد الأعراق والملل والنحل مما يساعد على إعادة رسم خريطة العالم الاسلامي.

نقول ذلك ولسنا من المهوسين بنظرية المؤامرة بل نؤكد أنها موجودة ولكنها غير مطلقة، فالتقسيمات التي ستطال خرائط العالم الاسلامي سبقته تقسيمات ذهنية وثقافية وفكرية وايديولوجية وعرقية، وتلك هي اللبنات الاساسية التي تخدم مخططات اضعاف أي أمة عبر التاريخ البشري.

الصراعات الداخلية القائمة في أوطان العرب بين آبناء الشعب الواحد، والصراعات بين الدول العربية ثم صراعات أخرى تطبخ على نار هادئة بين الدول الاسلامية، كلها مؤشرات عملية على أن مستقبل العالم الاسلامي على المحك، إن لم يتخذ صناع القرار خطوات جريئة على كل المستويات والأصعدة لاعادة الهدوء للشارع الاسلامي واجتثاث الكراهية التي تتصاعد بطريقة مخيفة بين الشعوب والحكومات، تجلت بوضوح مع أزمة يعيشها الخليج العربي الذي يعتبر استقراره صمّام أمان للعالم برمته وليس للمسلمين فقط.

إن مؤشرات التشاؤم موجودة بسبب الدماء التي تنزف في عدة دول وتساقط عواصم عربية تحت حوافر الغزاة من صفويين وصليبيين وصهاينة، لكن من جانب آخر توجد وبقوة مؤشرات التفاؤل فهناك مقاومة شرسة للغزو، وأيضا أن الغازي يعاني بدوره ويئن فهو يتكبّد خسائر مادية وبشرية، وصار بدوره يلهث عن مخارج له من هذه المستنقعات، لذلك نؤكد أن الراهن العربي والإسلامي صعب ومعقّد، والمستقبل مفتوح على احتمالات كثيرة ومتناقضة لكن أن تكون في صالح أمن المسلمين واستقرار أوطانهم هذا وارد وبقوة لكنه يحتاج فقط لإرادة من حاكم ووعي من محكوم… للحديث بقية.

 

 

نقلا عن اخبار تركيا

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص