محمد مصطفى العمراني

محمد مصطفى العمراني

عن غربة اليمني المحاصر في وطنه..!

2017-10-11 الساعة 20:48

 

 

 

 يقال في المثل «ليس من أكل الحصى كمن يعدها»، وأقول ليس من يعاني من الغربة كمن يقرأ عنها ، أقول قولي هذا وقد تجرعت منذ سنوات عجاف أسوأ أنواع الغربة وهي غربة الروح والفكر في الوطن المحاصر بالحروب والكوارث حيث أرى بعيني وقد تبدلت الأخوة والاطمئنان بين أبناء الوطن الواحد إلى الحقد والكره والتربص والخوف وكيف يتداعى التعايش ويتضاءل الشعور بالأمان ويتعاظم الخوف من الواقع المزري والمستقبل المجهول . 
حتى مواقع التواصل الاجتماعي التي كنت أقرأ فيها كل جديد وطريف ومضحك صرت أتحاشى دخولها فكل ينعى له قريبا وكل يترحم على صديق حتى صرت أشعر أنني في مقبرة وسرادق عزاء.

ها هي الوحشة تجتاح كياني كل حين وأنا أرى الناس يموتون حولي بالحرب والأمراض والأوبئة والغارات والجوع والخوف ومن لم يمت بالحرب مات بغيرها تعددت أسباب الموت الحسي والمعنوي واتسعت المقابر في وطن كان يضج بالحياة والفرحة. 

أتذكر أنني فررت من المستشفى الذي دخلته ذات صباح لا ينسى مكرها بسبب تسمم حاد وفي السرير المجاور لسريري بقسم الطوارئ مات شاب يعاني من الكوليرا وفي السرير الآخر كان الآخر ينازع ولا تقل لي عن شعوري ولا عن الخوف الذي هجم علي والرعب الذي جثم على صدري ولم يكن لدي أمل بالنجاة حاولت أرفع رأسي وعجزت وأحسست أن جسمي قد تخدر تماما وكان شقيقي الذي أسعفني قد ذهب يبحث عن طبيب يعالجني ولم يجد ولحسن حظي مر طبيب استيقظ لتوه من النوم وعرفني وأسرع يقيس ضغطي ويجري لي الفحوصات أخبرته أنه تسمم فأسرع يجري لي العلاج وبدأت استسلم لنوم عميق لكنه لم يكن مريحا لي فقد كنت في صحوي ضحية للمريض وفي نومي ضحية لكوابيس مرعبة واستيقظت على يد أمي تهدهد رأسي «كما هدهد الفجر رياحين الروابي» كما يقول البردوني لقد بدأت أتحسن وبدأت أرفع رأسي وما إن استطعت المشي حتى خرجت من المستشفى بل قل فررت وإن كنت قد فررت حينها من المستشفى فكيف أنجو الآن من هذا الشعور الذي يعيشه الملايين من أبناء اليمن وهو شعور السجين والعصفور الذي حبس في قفص لا يعلم متى سيطلق سراحه.

نحن هنا سجناء في وطننا حيث لا مطار مفتوح ولا طريق سيأخذنا إلى حيث نريد؟!!
وحتى إن تمكنت كيمني من السفر والهجرة من وطنه وبشق الأنفس فسأظل ملاحقا بتهمة الإرهاب وعرضة للتفتيش والإهانة في المطارات العربية والأجنبية وكأنني تهمة متنقلة وليس إنسانا هذا هو الحال للأسف طالما صارت بلادي مسرحا للحرب والفوضى والكوليرا إذن والحال هكذا فلسان حالي: لأن أموت في وطني واقفا فهذا أشرف لي بدلا من الموت في مطار عربي أو في منفى أو ملجأ.  

تحاصرني دوما تساؤلات تبحث عن جواب: متى سيحل السلام في هذا البلد وكل المؤشرات تقول بأن الحرب في اليمن صارت بلا نهاية تلوح في الأفق؟!
وكيف سأتعايش وأنا الممتلئ بالأحلام والتطلعات مع هذا الواقع الذي أجاهد لكي لا استسلم لتداعياته؟!

لم أعد أتذكر كم طلعت علي صباحات لم أشعر ببهجتها ولا كم داهمتني مساءات لم أعش روعتها ولم أعد أحصي كم قد اغمضت عيني وتخيلت أنني أمتطي صهوة طائر أسطوري يطير بي في بلاد الله الواسعة إلى حيث أشاء ويحط بي حيثما أريد فأرى الدنيا بروعتها واتساعها حيث المطارات مفتوحة لكل مسافر والموانئ تبحر بكل عابر حيث لا نقاط تفتيش ولا حروب وحيث لا أتوقع أن تصيبني رصاصة طائشة ولا تنقلني إلى الموت غارة جوية خاطئة ثم أسجل مجرد رقم في سجل شعب من الضحايا . 

أنا ما زلت أحلم وأسيح في أرض الله الفسيحة أهاجر في خيالك ليس الا ثم افتح عيني وارى أنني ما زلت في سجني الكبير وليس لي إلا الحلم وليس متاح لي إلا الخيال في « ليل كموج البحر ارخى سدوله « وانتظار الفجر والفرج الذي قد يطول انتظاره.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص