الدكتور أنور مالك

الدكتور أنور مالك

متى تَصْدق واشنطن ضد ملالي طهران؟

2017-10-16 الساعة 23:34

كل إدارة جدیدة تصل للبیت الأبیض إلا وتكون بدایتھا مع طبق ساخن ھو ملف إیران، غیر أنھ في النھایة ترحل الإدارة الأمریكیة من دون أن تتخذ إجراءات عملیة ضد نظام الملالي في طھران، بل أكثر من ذلك أن إیران ھي من تستفید من تلك الادارة التي ھددتھا وتوعدتھا بالویل والثبور وعظائم الأمور. لن نغوص بعیدا في تاریخ رؤساء أمریكا مع إیران خاصة منذ عام 1980 حیث قطعت الولایات المتحدة علاقاتھا مع طھران، بسبب اتھامھا بدعم الإرھاب الدولي، غیر أنھ رغم تلك الاتھامات إلا أن الادارات الأمریكیة المتعاقبة لم تتخذ اجراءات عسكریة بل كل ما تقوم بھ ھي مجرد عقوبات اقتصادیة لم تؤثر في نظام الملالي الذي یمتلك أخطبوطا مالیاً في العالم عبر شبكات للحرس الثوري الذي لم تجرؤ أي إدارة على تصنیفھ في قائمة الإرھاب الدولي رغم كل التھم التي لاكتھا لھ. مع الرئیس بیل كلینتون تعززت العقوبات المفروضة على إیران، واتھمتھا بدعم الإرھاب الدولي، ومعارضة جھود السلام في الشرق الأوسط، والسعي للحصول على أسلحة دمار شامل. وأصدر كلینتون عام 1995 عدة أوامر تنفیذیة تمنع الشركات الأمریكیة من الاستثمار في النفط والغاز الإیرانیین والاتجار مع إیران، وفي العام نفسھ أق ّر الكونغرس قانوناً یجعل الحكومة الأمریكیة تفرض عقوبات على الشركات الأجنبیة التي تستثمر في قطاع الطاقة الإیراني بآكثر من 20 ملیون دولار في السنة. بعد مجيء الرئیس جورج بوش الابن إلى البیت الأبیض، أصدر قرارا في یونیو/جزیران 2006 یجمد
الحسابات المصرفیة لشخصیات مرتبطة بالبرنامج النووي الإیراني. ووافق الكونغرس الأمیركي لاحقا على تمدید العقوبات الاقتصادیة المفروضة على طھران، التي ھدفت إلى وقف الدعم المالي الذي یمكن أن یساعد طھران في صنع أسلحة نوویة. كما فرضت واشنطن في أكتوبر/تشرین الأول 2007 عقوبات على ثلاثة بنوك إیرانیة، وأطلقت عبارة "ناشر أسلحة الدمار الشامل" على الحرس الثوري الإیراني. ومنذ ذلك الوقت أضافت وزارة الخزانة المالیة العدید من المصارف الإیرانیة الأخرى إلى قائمتھا السوداء. وحددت وزارة الخزانة الأمیركیة نحو 20 شركة بترولیة وبتروكیمیائیة على أنھا واقعة تحت سیطرة الحكومة الإیرانیة، مما یجعلھا غیر مؤھلة للتعامل مع قطاع الأعمال الأمیركي. وفي عام 2008، فرضت الولایات المتحدة عقوبات مالیة على مسؤولین إیرانیین وشركات تتھمھا واشنطن بمساعدة إیران على تطویر برنامجھا النووي. وشملت العقوبات ستة شخصیات، أبرزھم قائد الحرس الثوري حینھا یحیى رحیم صفوي، والمسؤول الكبیر في وزارة الدفاع محسن فخر زاده مھابادي، إضافة إلى مسؤول في البرنامج النووي وأحد مسؤولي برنامج الصواریخ البالستیة ومسؤولین في الصناعات الحربیة الإیرانیة. كما تتضمن العقوبات خمس شركات یعتقد أن لھا صلة بالمؤسسة العسكریة الإیرانیة. وبموجب العقوبات تجّمدأرصدةالشخصیاتوال​شركاتفيالبنوكالأ​میركیةإنوجدتویمنعالأمی​ركیونمنالتعامل معھم.
رغم كل ما قالھ جورج بوش الابن إلا أنھ لم یقتصر سوى على عقوبات اقتصادیة تتقن إیران الافلات منھا عبر شبكاتھا الفاسدة في العالم. بوش عرف بتصریحاتھ الناریة التي وصف ایران بأن ممارساتھا تھ ّدد أمن العالم وأنھا أكبر راع للإرھاب وتحرك بدعوى عزل إیران عن الدول المجاورة وخاصة الخلیجیة ، وأن حصول طھران على سلاح نووي یعني نشوب حرب عالمیة ثالثة، وذھب بوش خلال زیارتھ للإمارات للقول:
» تھدد ممارسات ایران أمن الدول في كل مكان. لذلك فان الولایات المتحدة تؤكد على التزاماتناالأمن​یة الثابتة منذ فترة طویلة تجاه أصدقائنا في الخلیج وتحشد الاصدقاء في أنحاء العالم لمواجھة ھذا الخطر قبل فوات الاوان «. غیر أنھ رغم تصنیفھ لایران في محور الشر بعد ھجمات 11 سبتبمر/أیلول 2001 إلا أنھ في أبریل/ نیسان 2003 قام بغزو العراق وأسقط نظام صدام حسین وسلّم حكم البلاد لأشخاص كانوا بیادق الولي الفقیھ، وبفضل ما قام بھ بوش تمكنت ایران من الھیمنة على ثروات العراق وتحولت بلاد الرافدین الى مزرعة للحرس الثوري یعیث فیھا نھباً وقتلا على الھویة. بعد بوش الإبن استمرت إدارة باراك أوباما في سیاسة العقوبات إزاء طھران، ففي ینایر/كانون الثاني 2010 أق ّر أوباما قانون عقوبات شاملة على إیران ومنع الاستثمار فیھا. وفي یونیو/حزیران 2011 أعلنت واشنطن عقوبات جدیدة ضد قوات الحرس الثوري الإیراني
وقوات الباسیج وقوات إعمال القانون الإیراني وقائدھا إسماعیل أحمدي مقدم. وت ّم بموجب ھذه العقوبات تجمید أي أصول تؤول للمستھدفین وتحظر تعامل كل الأمیركیین أفرادا أو شركات من التعامل مع الجھات المذكورة. ووصفت واشنطن یوم 21 نوفمبر/تشرین الثاني 2011 إیران بأنھا "منطقة رئیسیة لغسل الأموال"، وھي خطوة كان الھدف منھا إقناع البنوك غیر الأمیركیة بالامتناع عن التعامل مع إیران. كما وضعت الولایات المتحدة 11 جھة متھمة بمساعدة إیران فیما یتصل ببرنامجھا النووي على قائمتھا السوداء، وو ّسعت عقوباتھا لتستھدف شركات تساعد إیران في صناعتھا النفطیة والبتروكیمیائیة. وأقر أوباما أیضا یوم 31 دیسمبر/كانون الأول 2011 قانون تمویل الدفاع الذي یفرض عقوبات على المؤسسات المالیة التي تتعامل مع البنك المركزي الإیراني الذي یُعد القناة الرئیسیة لعوائد النفط. وبموجب ھذا القانون ستستبعد المؤسسات التي تطولھا العقوبات من الأسواق المالیة الأمیركیة. ولممارسة المزید من الضغوطات على ملالي إیران، قررت الولایات المتحدة في یونیو/حزیران 2013، فرض المزید من العقوبات على إیران عبر استھداف العملة الإیرانیة وقطاع السیارات، وعزت ذلك إلى عدم تعاون طھران في ملفھا النووي. غیر أن العلاقات الأمیركیة الإیرانیة عرفت انفراجاً بعد إبرام طھران ومجموعة "1+5" یوم 14 یولیو/ تموز 2015 اتفاقا بشأن البرنامج النووي، حیث ألغت واشنطن عقوباتھا المتصلة بذلك، دون أن یشمل الإجراءات العقابیة التي اتخذتھا واشنطن ضد إیران المتھمة باعتبارھا "دولة داعمة للإرھاب" وبإدارة برنامج صاروخي بالیستي.
وضمن سیاق رفع العقوبات، أصدرت وزارة الخزانة الأمیركیة في سبتمبر/أیلول 2016 رخصتین تسمحان بتصدیر بعض الطائرات من إنتاج إیرباص لإیران. كما وافقت طھران بمقتضى الاتفاق على أخذ سلسلة من الخطوات، من بینھا تقلیص عدد أجھزة الطرد المركزي، وتعطیل جانب رئیسي من جوانب مفاعل آراك النووي، مقابل تخفیف العقوبات التي تفرضھا علیھا الولایات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بدرجة ملموسة. بدوره سكت أوباما على جرائم ایران في سوریة حیث رفض أي تدخل ضد نظام الأسد وحتى لما تجاوز خطوطھ الحمراء في أوغسطس/آب 2013 لما أقدم نظام بشار على جریمة استعمال السلاح الكیماوي في الغوطة، لم یتخذ أوباما أي اجراء سوى الرھان على نزع السلاح الكیماوي الذي ثبت لاحقا وفي عدة عملیات أن الأسد لم یسلم سلاحھ الكیماوي بل ارتكب بعدھا عدة مجازر وقف العالم أمامھا متفرجا واقتصر فقط على التندید. طبعا أن العقوبات الاقتصادیة تتنوع وتتواصل من إدارة إلى أخرى إلا أنھا لم تؤثر في ملالي طھران الذین یمتلكون شبكات رھیبة في الغرب والشرق ودول الخلیج تتحایل على العقوبات الاقتصادیة المفروضة علیھا وتقوم بغسل الأموال، فضلا من أن ایران صارت تستعمل دولا أخرى تحت وصایتھا للتھرب من ھذه العقوبات، فھي تنھب نفط وثروات العراق، ونجد كل من سوریة ولبنان والیمن تحت وصایتھا، وتمتلك علاقات عمیقة مع دول في أمریكا اللاتینیة. بعد وصول دونالد ترمب إلى البیت الأبیض یوم 20 ینایر/كانون الثاني 2017، عادت الإدارة الأمیركیة إلى سلاح العقوبات ضد طھران، وأعلنت واشنطن في فبرایر/شباط 2017 فرض عقوبات جدیدة على 13 فردا و12 كیانا إیرانیاً یعتقد ارتباطھم بالبرنامج الصاروخي، وبدعم الأنشطة الإرھابیة، جاء ذلك بعد أن كشف وزیر الدفاع الإیراني العمید حسین دھقان أن بلاده أجرت تجربة صاروخیة، معتبرا أنھا لا تنتھك الاتفاق النووي الموقع مع الدول الست الكبرى في 2015، ولا القرار الأممي 2231 الذي صادق على ذلك الاتفاق. وأصدرت وزارة الخزانة الأمیركیة بیاناً نشرتھ على موقعھا أن العقوبات تتضمن تجمید مصالح وممتلكات ھذه الكیانات وحظر التعامل معھا على المواطنین الأمیركیین. واعتبرت الوزارة أن ما وصفتھ بدعم إیران المستمر للإرھاب وتطویر برنامجھا الصاروخي، یشكلان تھدیدا للمنطقة ولحلفاء الولایات المتحدة حول العالم. وأكدت إیران من جھتھا، أنھا "ستتخذ إجراءات مماثلة" وستستھدف "أفرادا وشركات أمیركیة" تدعم مجموعات "إرھابیة". دونالد ترامب ھ ّدد بإلغاء الاتفاق النووي الذي یملك صلاحیة الانسحاب منھ فقط لكنھ لا یستطیع أن یلغیھ فھو مجرد طرف مع عدة دول كبرى، كما أنھ راح یتحدث عن استراتیجیتھ الجدیدة مع طھران من خلال عقوبات اقتصادیة تستھدف الحرس الثوري، وردد ترامب الاتھامات التي دأبت علیھا إدارات سابقة ضد ایران، لكن رغم مباركة عدة دول وحتى المعارضات الایرانیة لھذه الاجراءات إلا أن التخوف غیر
المعلن ھو سیّد الموقف، فما قالھ ترامب عن دعم طھران للارھاب وتنظیماتھ سبقھ غیره إلیھ وخاصة بوش الذي صنف طھران كمحور شر وأھداھا العراق على طبق من ذھب، أما كلینتون فقدم لھا آفغانستان ثم جاء اوباما وسلم لھا سوریة والیمن مقابل اتفاق نووي لم ولن تلتزم ایران بھ، فھي تواصل تخصیب الیورانیوم في مفاعلات سریة لن تصل لھا عیون المراقبین الدولیین. رغم كل الوعید الذي حملھ ترامب لایران وخاصة بعد زیارتھ التاریخیة للسعودیة والقمم التي عقدھا مع دول عربیة واسلامیة، ورغم ما قیل عن تورط الحرس الثوري في الارھاب وجرائم ضد الانسانیة، ورغم التراكمات التي تعرفھا العلاقات بین واشنطن وطھران، إلا أن منتھى ما تصل إلیھ القرارات الأمریكیة - لحد اللحظة - ھي عقوبات اقتصادیة لم تكن لھا فعالیة قویة في التأثیر على نظام الملالي الذي مازال یتمدد عبر تصدیر ثورتھ وینشر الارھاب ویھدد السلم العالمي في وضح النھار. إن تصنیف الحرس الثوري الایراني كمنظمة إرھابیة تحاربھا الولایات المتحدة والقوى الحلیفة لھا بنفس الوتیرة التي تحارب بھا تنظیم داعش والقاعدة، ھي البدایة الفعلیة في ملاحقة الارھاب القادم من طھران والذي یرعاه رسمیاً » الولي الفقیھ «. فھذا التصنیف سیكون ضربة قویة لتمدد المشروع الایراني ویفرض عدة تحولات كبرى في مسار التعامل مع حكام طھران، وأھمھا أنھ سیطال البعثات الدبلوماسیة الایرانیة في دول العالم وھیئاتھ الدولیة، فكل سفیر ایراني ھو مجرد موظف یحمل رتبة عسكریة غیر معلنة في أغلبھا بقوات الحرس الثوري. لا توجد عملیة إرھابیة في العالم لیس للحرس الثوري ید فیھا، لذلك فإن ادراجھ في قوائم الارھاب معناه ملاحقتھ التي تفرض سحب الاعتراف الدولي بنظام الحكم في طھران الذي رأسھ علي خامنئي بصفتھ الحاكم المطلق ومرشد الثورة والقائد الأعلى للحرس الثوري، وھذا یقتضي الاعتراف بالمعارضة الایرانیة كممثل شرعي ووحید للشعب الایراني. ان إحجام الادارات الأمریكیة عن اتخاذ قرارات ضد الحرس الثوري ھو أكبر دلیل أنھ لا توجد إرادة فعلیة ضد نظام الحكم في ایران، لھذا سیبقى ما یقوم بھ ترامب مجرد سباحة في فلك من سبقوه من رؤساء أمریكا الذین یغادرون الحكم وقد خدموا الملالي من حیث زعموا أنھم سیقلّمون مخالبھم ویقضون على نظام حكمھم الفاشي. لسنا نرید الخوض في النوایا لكن لا یجب أن نكون آصحاب نوایا حسنة في التعامل مع قضایا دولیة وخاصة لما تكون الولایات المتحدة ھي الطرف الرئیس فیھا، فقد علمتنا التجارب السابقة أن رؤساء أمریكا یھددون طھران ثم یبتزون خصومھا وفي النھایة یغادرون البیت الأبیض وھو یلتحف سواد عمائم الملالي. سنكون من المصدقین لترامب إن صنّف الحرس الثوري كمنظمة إرھابیة ویعمل على تفكیك وجوده في العالم، ویدعم ثورات الشعوب ضد التمدد الایراني في كل من العراق وسوریة ولبنان والیمن وغیرھم، ویطارد المیلیشیات التابعة لھ مثل » حزب الله « و » أنصار الله « والحشد الشعبي وعشرات الملیشیات
الطائفیة الشیعة التي تقتل على الھویة وتزعزع أمن الدول واستقراراھا، ودون ذلك سنتفاجأ یوما بالملالي یعلنون سقوط عاصمة عربیة تحت حوافرھم.

للحدیث بقیة

 

 

نقلا عن اخبار تركيا

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص