الدكتور أنور مالك

الدكتور أنور مالك

الأمن القومي الجزائري في خطر

2017-12-05 الساعة 13:52

السفارات الإيرانية نشطة جداً في تصدير الثورة الخمينية، يجري ذلك من خلال الملحق الثقافي الذي يعمل على صناعة خلايا شيعية في البلد التي يتواجد فيها، حيث يتم تمويلها وتنظيم زيارات لعناصر منهانحو طهران وقم، وخلال هذه الزيارات يلتقون بالمخابرات الإيرانية ورجال الدين، وهناك يتم تدريبهم على خطة معينة لنشر التشيّع بين أبناء وطنهم. الشيء الذي لا يعرفه هؤلاء المتشيّعون أن المخابرات الإيرانية لا تثق فيهم بل تحتمل أنهم مكلفين بمهمة مزدوجة ومضادة أو ربما يتمردون عليها لاحقاً ويفضحون خفاياها وأسرارها، لذلك يتمّ توريطهم فيعلاقات مشبوهة وأخطرها النسائية سواء عبر المتعة أو غيرها، ويجري تصويرهم في غرفهم بالفنادق أو الشقق التي يتواجدون بها، ودائماً هي مجهزة بكاميرات سرية عالية الجودة والدقة وأجهزة متطورةتحتفظ بحركاتهم وهمساتهم، لذلك لم نسمع يوماً أن متشيّعاً زار إيران ثم عاد عن تشيّعه أو انتقدها في أدنى موقف. الملحقيات الثقافية في السفارات الإيرانية تتكوّن من ضباط في الحرس الثوري يتخفّون بقناع الثقافة وحتى الأعمال الخيرية، تدربوا باحتراف على العمل في إطار تصدير ثورتهم، ومهمتهم الأساسية هيتشكيل خلايا شيعية في البلدان التي يتواجدون فيها، وهذه الخلايا التي تبدأ بالتشيّع الديني ثم تأتي العمالة لجهاز استخبارات الحرس الثوري، وبعدها يجري تشكيل طائفة ثم مليشيات ثم محاولة الهيمنة علىالدولة وبعدها الحرب الأهلية المدمرة للوطن. هذه هي سلسلة العمل الاستخباراتي الذي تقوم به سفارات إيران من خلال ملحقها الثقافي، ويتقوى نشاطه ويزداد لما تكون العلاقات هادئة وطبيعية بين الدولتين، فلا شيء يراهن عليه الحرس الثوري فيبداية تشكيل خلايا شيعية تابعة لـ"الولي الفقيه" في بلد ما، مثل أن يجري العمل في صمت ولا يثار عليه أدنى غبار، فالفوضى هي الهدف وليس البداية ولا الوسيلة لمرحلة معينة في تنفيذ الأجندة الإيرانية. من بين الدول العربية التي يجري فيها تنفيذ ما ذكرنا نجد الجزائر التي تعمل إيران منذ سنوات على تكوين عناصر شيعية حيث تمّ استغلال تردد بعض الجزائريين على سورية خصوصاً، وبعدما تمكّنت منذلك ركضت نحو مرحلة صناعة شبكات سرية تعمل على نشر التشيّع في عدة ولايات جزائرية. إن كان الأمر تصاعد في السنوات الأخيرة إلا أنه كان يجري منذ سنوات طويلة، حتى أنه أثناء مرحلة الحرب الدامية التي عاشتها الجزائر في التسعينيات، حاولت إيران صناعة مليشيات تابعة لها من خلالمتشيعين جزائريين وعلى رأسهم المدعو محفوظ طاجين الذي تدرّب في معاقل تنظيم "حزب الله" في الضاحية الجنوبية بلبنان، والذي وصل لدرجة أمير وطني لما يسمى "الجماعة الإسلامية المسلحة"المعروفة اختصاراً بـ"الجيا"، وهو التنظيم الأكثر دموية في الجزائر. كما حاولت أيضاً من خلال مجموعات من المسلحين في تنظيمات أخرى كتنظيم "الجبهة الإسلامية للجهاد في الجزائر" المعروف اختصاراً بـ"الفيدا"، والذي تخصص في تصفية المثقفين والإعلاميينوالكوادر الجامعية، وقد نقلت عدداً منهم نحو طهران وتدربوا في ثكنات للحرس الثوري، وتوجد مجموعة أدانها القضاء الجزائري بعدما تمّ القبض عليهم وأكدوا في محاضر التحقيق ولدى محاكمتهم أنهمتدربواثكنات الحرس الثوري في طهران. للأسف رغم الدور القذر الذي لعبته إيران خلال « الحرب الأهلية » الجزائرية، سواء عبر متشيّعين أو أموال دفعتها للجماعات المسلحة، إلا أن صراع الاتهامات المتبادلة لتبرئة الذمة من دماء الجزائريينبين السلطة التي تتهم الإسلاميين المعارضين وهؤلاء يتهمون مخابرات النظام في إطار نظرية "من يقتل من"، جعل الأجهزة الإيرانية تخرج من ورطتها كالشعرة من العجين. وقد كنت أول من كشف عنذلك من خلال كتابي "أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر" الذي أغضب سفارة إيران ودفعها في جوان/يونيو 2011 لإصدار بيان تتهمني فيه باستهداف الوحدة الإسلامية والعلاقات الوطيدة بين طهرانوالجزائر. فشلت مرحلة صناعة مليشيا مسلحة في الجزائر باستغلال مسلحين تمردوا على الدولة، وذلك لما انتفض الشعب ضدهم بسبب مجازر ارتكبوها بحق الجزائريين، وقد قطعت الدولة الجزائرية علاقاتهاالدبلوماسية مع طهران بسبب التدخل السافر في شؤون البلاد، بل وصل الحال برجل الدين المعمم أحمد جنتي الذي تولى مجلس صيانة الدستور إلى تأييد ومباركة اغتيال الرئيس الأسبق محمد بوضياف فيصيف 1992. عادت إيران إلى مربع سابق ويتمثل في نشر التشيّع من خلال استغلال الجزائريين الذين يترددون على سورية والعراق ولبنان، حتى أوروبا وإن كان بدرجة أقل، حيث قامت بتكوين جزائريين في الحوزاتوقامت بتلميع بعض الأسماء كمشاهير في وسائل الإعلام، وصار لاحقاً لهم دورهم في تسهيل مهمات إيرانية داخل التراب الجزائري. كانت المخابرات الإيرانية تقدم لهؤلاء المتشيّعين المال بطرق مختلفة بينها ما يندرج ضمن تبييض الأموال المحظور دولياً، حتى يكون لهم قيمة اجتماعية بين أهاليهم، وفجأة تحول تجار الشنطة - بينهم نساء- الذين كانوا يترددون على سورية خاصة إلى أصحاب محلات وعقارات ورؤوس أموال وشركات ومؤسسات، يعمل فيها الكثير من المواطنين ويستغلون حاجتهم في ظل وضع أمني متدهور واقتصاديمترهل، وبذلك نجحوا في عدة ولايات من نشر التشيع. الأخطر من ذلك أن المتشيّعين الجزائريين شرعوا في لعب أدوار أخرى من خلال العمل على اختراق الأجهزة الأمنية، حيث يقومون بتجنيد أبنائهم في جهاز المخابرات والأمن والجيش، وأيضاً يزوّجونبناتهم المتشيعات لعسكريين وخصوصاً الضباط، وقد وثّقت أكثر من عشر حالات زواج في عدة ولايات جزائرية وبينهم من صاروا برتب عسكرية سامية، ولا نستبعد أنه يوجد أكثر من هذا العدد، وأنالأمر في تزايد مستمر. ساعد في ذلك التركيز على المدارس والجامعات ودور الثقافة والنوادي الرياضية، حيث أن التشييع اهتم بالمعلمين والأساتذة والمكوّنين والمدربين الثقافيين، الذين ظلوا يزرعون أفكارهم في عقول التلاميذوالأطفال، وقد سبق أن أوقفت وزارة التربية الجزائرية عدداً من المدرسين بسبب غضب الآباء لما ثبت عليهم نشر التشيّع بين الأطفال. الهدف من التركيز على التشيّع الديني في تلك الفترة هو صناعة عدد كبير من المتشيّعين، وهذا هو رهان المخابرات الإيرانية في وقت شهد انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وطهران، لكن بعودةالدفء مع وصول الرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم، نشط مشروع التشييع وراح يتدرج بطيقة متسارعة، وظهرت نتائجه العملية حيث أنه في عام 1996 كان عدد المتشيعين الذين أحصتهم مصالح الأمن لايتجاوز ألف شخص عبر كامل التراب الوطني، لكن في 2010 وصل عددهم إلى 3000 شخص في 40 ولاية من بين 48 ولاية، أغلبيتهم الساحقة ترددوا على طهران وقم والنجف. أما في 2015 فقد تجاوز عددهم 5 آلاف متشيّع في الأربعين ولاية نفسها، أما في 2016 فقد تجاوز عددهم 6000 متشيّع دينياً وسياسياً وتابع لـ « الولي الفقيه »، والعدد في تصاعد مخيف مما دفع السلطاتالجزائرية للتحرك حيث أوقفت 400 متشيّع في المطار أواخر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، عادوا من النجف وقم يحملون في حقائبهم منشورات وكتب وأشياء أخرى. كما أنها فككت في الفترة نفسهابولاية غرداية تنظيماً سرّياً شيعياً بين عناصر من جنسية مالية. أعداد المتشيّعين الجزائريين وصلتنا من محاضر لجهات أمنية كانت تتابع هذا الملف وتعد عنه التقارير في السنوات الماضية، لكن من دون اتخاذ أي إجراءات ملموسة ضدهم؛ لأن الجهات المسؤولة لمايصلها التقرير تضعه في الأرشيف وتتفادى أي تحرك، فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة يرفض أي إجراء ضد إيران، وقد كان يراهن كثيراً على علاقات قوية مع طهران نكاية في دول خليجية كان يعمل عندهامستشاراً في سنوات المنفى الاختياري التي عاشها بعد رحيل الرئيس هواري بومدين في 1978/12/27، وأيضاً لمصالح وحسابات أخرى. بدأ الحديث في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عن أقلية شيعية في الجزائر، وهذه هي المرحلة التي تراهن عليها إيران، فقد انتقد رجل الدين المعمّم مقتدى الصدر تقريراً أمريكياً عن حقوق الإنسان، يراهقد تجاهل في حديثه عن الأقليات الدينية وضع الشيعة في الجزائر، وقد دعا الصدر المتشيعين الجزائريين إلى التحرك وعدم التقوقع ولا الخوف ممّن أسماهم "الثلة الضالة" وهي إشارة منه إلى عموم الشعبالجزائري من أهل السنّة. أرسل الحرس الثوري أحد عناصره وهو المدعو أمير موسوي كملحق ثقافي من أجل مهمة تحويل المتشيّعين الجزائريين إلى طائفة محمية بموجب القانون الدولي الخاص بالأقليات، وتتمتع بحقوقها فيممارسة عباداتها، وهذا يعني أن الشيعة في الجزائر سيطالبون بـ"حسينيات" رسمية لهم بدل تلك السرية التي فتحوها في بعض ولايات الوطن التي كانت في مرحلة معينة تفتح في مناسبات دينية مثلعاشوراء فقط، ومؤخراً صارت لهم حسينيات سرية تكاد أن تكون دائمة لكنها تغير مواقعها من حين إلى آخر من باب الحرص الأمني. تحرّك الجزائريون ضد الملحق الثقافي الإيراني المدعو أمير موسوي، بعدما ثبت نشاطه الكبير بين المتشيّعين، حيث تحوّل إلى "مرشد مؤقت" لهم، يوجههم ويأتي لهم بالأموال وينظّم لهم رحلات رسميةنحو إيران وسورية والعراق، وبينهم من تدرّبوا لدى الحرس الثوري على أمور بينها الاستخباراتية وحتى العسكرية، كما قضوا فترات عند رجال دين خصوصاً في قم وحتى النجف مثل الذين ذكرناهم سابقاوتمّ توقيفهم في المطار. المدعو أمير موسوي كانت له علاقات وطيدة مع جزائريين قبل وصوله إلى الجزائر في مهمة تحت غطاء دبلوماسي، وساعده في ذلك إعلاميون جزائريون متشيّعون يعملون في فضائيات إيرانية بلبنانوإيران. لقد أرسله الحرس الثوري كملحق ثقافي كي يكمل مهمة من سبقوه على التراب الجزائري تحت حماية القوانين الدبلوماسية، ومستغلاً العلاقات الوطيدة بين الدولتين، فضلاً عن أن الحكومة الجزائرية -للأسف الشديد - كانت لا تهتم بشأن التمدد الشيعي فهي منشغلة بصراعات وقضايا سياسية أخرى. الأمن القومي في الجزائر صار مهدّداً مثل غيره من الدول العربية والإسلامية التي تستهدفها إيران، وحيثما ينجح الحرس الثوري في صناعة كيان للولي الفقيه داخل دولة إلا وورطتها في صراعات مختلفة،سرعان ما تتحول إلى حرب طائفية مدمرة. لقد نجحت المخابرات الإيرانية لحد اللحظة في صناعة أقلية شيعية بالجزائر، ستتحرك لاحقاً للمطالبة باعتراف الدولة رسمياً بها، وتكون محل متابعة من المنظمات والهيئات العالمية في حال رفض الدولة،وستتحول بلا أدنى شك مع مرور الوقت إلى مليشيا ربما تحت مسمى "حزب الله المغاربي" الذي دار الحديث عنه كثيراً في الكواليس منذ عام 2004، وحاولت المخابرات الإيرانية صناعته عبر متشيّعينجزائريين وتونسيين ومغاربة، لكنها فشلت بسبب عدم توفر الظروف من حيث العدد والعدة، والآن مع ما تعيشه ليبيا من انهيار أمني وما يحدث في تونس وأيضاً الجزائر، جعل الأمور ملائمة للعمل الجديفي هذا الإطار، وهو ما يجري بالفعل خصوصاً على التراب الليبي وحتى التونسي. غير مقبول بالمرة أن تقوم إيران من خلال بعثتها الدبلوماسية في التحرك خارج إطار مهمتها المحددة، وأيضاً التدخل في شؤون دول أخرى صديقة تربطها علاقات وثيقة مع الدولة الجزائرية كما يفعلالمدعو أمير موسوي، حيث يتطاول على السعودية والبحرين وتركيا ويتدخل في سورية والعراق وغيرهم، وأيضاً قيامه بتجنيد عملاء استخباراتيين لصالح بلاده، كل ذلك يتنافى مع المهمة الدبلوماسية التيأرسل لها وقبلت الدولة الجزائرية وجوده من أجل ذلك فقط. لقد ثبت لدينا أن الملحق الثقافي الإيراني تجاوز حدود مهمته بما يهدد الأمن القومي الجزائري، ولذلك أطلقنا حملة "اطردوا أمير موسوي" التي لاقت تجاوباً كبيراً حيث دعمها أكثر من مليون جزائري عبرالإنترنت، كما أن العالم العربي والإسلامي رحب بها وباركها؛ لأنه يرى ما يحدث في سورية والعراق واليمن ولبنان بسبب التدخل الإيراني الذي كان منذ سنوات مجرد حراك لنشر التشيّع، والآن صارتهذه الدول تغرق في حروب طائفية نجسة تسبّبت في قتل وتشريد وتهجير واختفاء وتعذيب واعتقال الملايين من المواطنين، وطبعاً لا خير في كل من لا يعتبر من محنة غيره. حملة طرد الملحق الثقافي حركت المياه الراكدة حول قضية التمدد الشيعي الإيراني في الجزائر بل حتى في دول المغرب العربي الكبير وكل أفريقيا، وجعلت الكثير من الجزائريين يستشعرون بهذا الخطرالداهم على بلادهم، في انتظار ما ستقرره الحكومة من تدابير أكثر جدية تجاه ملف ملغوم قضى سنوات وهو في الظل وقد خدم المتربصين بالأمن القومي الجزائري كثيراً.

 

نقلا عن اخبار تركيا

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص