مصطفى غليس

مصطفى غليس

إليك مسعد.. والملايين مثلك

2018-03-14 الساعة 19:20

 

كم هو صعب أن تشاهد عزيزاً عليك، يتلوى من آلام المرض، ويصرخ قبل أن يغمى عليه، فيما تقف عاجزاً عن تخفيف وجعه رغم أكوام الأدوية التي بين يديك وروشتات عشرات الأطباء الناجمة عن مئات الفحوصات والأشعة الطبية. مشهد كنت أعيشه بصورة موسمية مع شقيقي وصديقي الأقرب إلى نفسي وطبعي مسعد غليس منذ طفولتنا إلى أن فرقتنا هذه الحرب الملعونة. رحلت قسراً عن بلادي قبل ثلاث سنوات وبقي مسعد فيها يعاني كغيره من أبناء وطني ويلات الحرب، وأوجاع كليتيه التي قرر الأطباء مؤخراً في صنعاء استئصال اليمنى منها بعد أن كان قد أجرى خلال العامين الماضيين عمليتين إحداهما جراحية والأخرى بالليزر للحفاظ عليها.

كنت وهو، ندرك أن هذا اليوم آت لا محالة فقد سبق لأحد أطباءه أن أوصى بإزالتها في العام 2008. خرجنا من عيادة الطبيب وتوجهنا مباشرة لثاني وثالث اتفقا على أنها تعمل بما نسبته 40% وأوصيا بوقايتها وبمضادات حيوية مكنته من الصمود وكليته المصابة بالضمور والمليئة بالحصوات - رغم استئصالها مرتين - حتى بداية شهر مارس الذي تحتفل أكثر من 110 دول وملايين المصابين في خميسه الثاني من كل عام باليوم العالمي للكلى.

لم يسبق لي أن اختبرت ألم الكلى وأوجاعها، لكنني على يقين من خلال معاشرتي الطويلة لمسعد ومرافقتي له وما يعانيه حين يداهمه المرض، أنها من أشد الأمراض فتكا بالإنسان وأقساها ألماً ووجعاً، فلا تزال ملامحه المنهكة وشحوب وجهه كلما ألم به المرض أكان طفولته أو حالياً في شبابه عالقة في ذهني.

اليوم، وكل منا في بلاد، وجدت نفسي أمام موقف أكثر صعوبة وقساوة حين بلغني خبر مرضه، حتى أنني عجزت عن الرد عليه وهو يكاتبني بما قرره الطبيب بعد الفحوصات والأشعة بضرورة إزالة الكلية اليمنى.

فكرت كثيراً قبل الرد عليه وسألت نفسي: كيف ينبغي أن يكوني ردي؟ هل أوصيه بالصبر؟ هل أشجعه وأقول له أنت أقوى من المرض؟ فقد عرفته قوياً صابراً محتسباً بالفعل طيلة الأعوام الماضية، أم أخبره أنني سأكون بجانبه حتى لو ذهبنا إلى أقاصي الدنيا بحثاً عن علاجه، فكرت كثيراً لكنني عدت لأسال نفسي: ما الجدوى من قول ذلك وهو يعرف أنني بنفسي وما أملك فداء له، ووجدت نفسي أكتب له بلا تردد: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

طبيبه الدائم والموثوق قرر استئصال الكلية، لكن طبيب ثاني وثالث أوصيا بإجراء "مسح ذري" قبل الاستئصال ليكون القرار أكثر دقة، ولعل في ذلك خيراً، لكن اليمن خالية تماماً من أي أجهزة لهذه الأشعة المتطورة، فكانت التوصية من الثلاثة بالسفر إلى الخارج، وقررنا سوية أن تكون وجهة العلاج القادمة مصر العربية، لكن إجراءات السفر من بلد محاصر جراء الحرب الملعونة مضنية وتحتاج لجهد ووقت، ويحز في نفسي أن أكون بعيداً عن شقيقي المتعب في هكذا موقف يحتاج إنجاز الكثير من المعاملات وإجراءات السفر، لكنني أثق أن ثمة أصدقاء سيقومون بالواجب.

شاء الله أن نفترق في مايو 2015، لا تجمعنا سوى محادثات كتابية يومية أو صوتية أسبوعية، لكن موعدنا الآن سيكون قاهرة المعز بإذن الله في رحلة البحث عن الشفاء الذي أسأل الله العلي القدير أن يمن عليه به، وأن يجمعنا على خير. ولكم تمنيت لو اجتمعنا هناك في ظرف أفضل لكنها الأقدار بأحكامها القاسية والخارجة عن الإرادة والأمنيات.

يبقى في هذه العجالة أن أقول لشقيقي مسعد "لا تخف إن الله معنا". لا تقلق فكنوز الدنيا لا تساوي شعرة في مفرق رأسك. عشنا سوياً واقتسمنا الحلو والمر معاً مذ صبانا، وسنقتسم أجسادنا إن تطلب الأمر ذلك وكان فيه شفاؤك يا أغلى نفسي. ولكل المصابين بأمراض الكلى وفي مقدمتكم زميلي الصحفي Rashad Ali Al Sharabi رشاد الشرعبي: نحن معكم ندعو لكم في كل الأحوال ونسأل الله لكم العافية، ولا أرانا الله فيكم وشقيقي مسعد مكروهاً.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص