منيف الهلالي

منيف الهلالي

في مدرسة "الأمل بعدَّن"

2018-03-16 الساعة 20:39

 

 

 مما لا زلت محتفظاً به في ذاكرتي نسائم تلك الأيام التي كنا نذهب فيها إلى مدرسة "الأمل بعدَّن" فرادى وجماعات، نغوص بين الزرع ونتقافز من الجدران ونجري في "السوائل" خلف السيارات.. نتعلق بسيارة "عبده شايع"، رحمة الله عليه؛ السيارة الوحيدة التي كانت ترحم ضعفنا وتنيخ هامتها لحظة أن ترمقنا مجهدين لتقلنا إلى مسافة قريبة من المدرسة، أما بقية السيارات فكانت تهرع هرباً منا.. «صالح قايد، مطهر ضيف الله، علي ثابت، جمال مطهر» لا يحبون النظر إلينا، بل إن سياراتهم تفرُ حين ترانا كملدوغٍ يبحث عن مداوٍ..
كنا نحزن حين يتركوننا نسير في السائلة راجلين، فيما عقارب الساعة تجري نحو الثامنة بجنونٍ.. مدير المدرسة الأستاذ "صالح الجعدي" ينتظر بعصاه الغليضة في حوش المدرسة، لا يكتفي بعشر جلدات في باطن اليد، عقاباً على التأخير، بل لا بد من طوب ورق ونقل جزءٍ من المخلفات الموجودة في الحوش إلى مكانٍ آخر، ليأتي آخرون فيعيدونها إلى ذات المكان، وما أن ينتهي العقاب المتوازي مع نهاية الطابور حتى تبدأ فصول المعاناة الجديدة المتمثلة بحصة الأستاذ "عربي" التي يضعونها عنوة في مقدمة الحصص.. يا إلهي: بمجرد دخوله من باب الفصل يفقد الطلاب تماسكهم، يتحدث من رأس أنفه ويشير بعصاه الغليضة: الذي ما كتب الواجب يخرج على جنب.. يتحرك الجميع نحو زاوية الفصل ويمدون أياديهم، بعضها مازال عليها آثار "صالح الجعدي" وبعضها الآخر لم تتماثل للشفاء من "الخشبة" التي استخدمها في الأمس مدرس الإنجليزي الأستاذ "ناصر حسونه".. البعض يبكون قبل أن تلامس العصى أكفهم، وآخرون يضحكون ساخرين من زملائهم؛ "مصطفى العماري" ينفخ في كفه بين كل ضربة وأخرى، وبشير الزبيدي يسقط أرضاً من أول ضربة، بينما ابن عمه فهمي، بطريقته المميزة، يدخل في نوبة ضحك تدفع الأستاذ "عربي" إلى أن يرفع عدد الضربات من عشر إلى خمسة عشر.. إسكندر حمزة يرفض مد يده ويطالب بالخروج من الفصل والأستاذ يقبل مشترطاً عدم دخول حصته مرة أخرى، الفصل مكتضٌ بالضجيج والدور يقترب مني، لم يبق أمامي سوى "منصر الحالمي" الذي يتفل في كفه ويطالبني بأن أسبقه لتلقي غضب الأستاذ الذي يتصبب العرق من جبينه المجهد بتراكمات السنين، فأزداد تشبثاً بزاوية الفصل أود أن أكون آخر المعاقبين، كنت أعتقد أن الدور لن يأتي علي إلا وقد تمكن الإجهاد من الأستاذ وصارت عصاه أقل إيلاماً، غير أنني أكتشفت من خلال وجه صديقي "منصر" الذي يتدارى الألم خلف احمراره أن الأستاذ وزع العقوبة علينا بالتساوي، وليس ثمة فرق سوى أنها كانت بالنسبة لي، وآخرين، هي الأخيرة، بينما ظل البعض يتلقاها حتى غادرنا الأستاذ طيب الذكر وغادر التعليم معه..!!

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص